محمد بن الطيب الباقلاني
13
إعجاز القرآن
ثم أثنى بعد ذلك على من تلقاه بالقبول ، فقال : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا ) . ثم قال : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ) . وهذا ينبه على أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف إعجاز القرآن ، وأنه دلالة له على جهة الاستدلال ، لان الضروريات لا يقع فيها نزع الشيطان . ونحن نبين ما يتعلق بهذا الفصل في موضعه . ثم قال : ( إن الذين يلحدون في آياتنا ) ، إلى أن قال : ( إن الذين كفرا بالذكر لما جاءهم ، وإنه لكتاب عزيز ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) . وهذا وإن كان متأولا على أنه لا يوجد فيه غير الحق مما يتضمنه من أقاصيص الأولين وأخبار المرسلين ، وكذلك لا يوجد خلف فيما يتضمنه ( 1 ) من الاخبار عن الغيوب وعن الحوادث التي أنبأ أنها تقع في الآتي - فلا يخرج عن أن يكون متأولا على ما يقتضيه نظام الخطاب ، مع أنه لا يأتيه ما يبطله من شبهة سابقة / تقدح في معجزته أو تعارضه في طريقه . وكذلك لا يأتيه من بعده قط أمر يشكك في وجه دلالته [ وإعجازه ] . وهذا أشبه بسياق الكلام ونظامه . ثم قال : ( ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا : لولا فصلت آياته ، أأعجمي وعربي ) ( 2 ) فأخبر أنه لو كان أعجميا لكانوا يحتجون في رده : إما بأن ذلك خارج عن عرف خطابهم ، أو كانوا يعتذرون بذهابهم عن معرفة معناه وبأنهم لا يبين ( 3 ) لهم وجه الاعجاز فيه . لأنه ليس من شأنهم ولا من لسانهم ، أو بغير ذلك من الأمور ، وأنه إذا تحداهم إلى ما هو من لسانهم وشأنهم فعجزوا عنه - وجبت الحجة عليهم به ، على ما نبينه في وجه هذا الفصل . إلى أن قال : ( قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به ، من أضل ممن هو في شقاق بعيد ) .
--> ( 1 ) م : " تضمنه " ( 2 ) سورة فصلت : 44 ( 3 ) م ، " وبأنه لا يتبين "